الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
21
الطفل بين الوراثة والتربية
وتتمثل المخالفات بصورة إضبارات مدنية وجنائية وهكذا تستنزف الطاقات الإنسانية والمالية ويضطر المتنازعون إلى الرجوع إلى الوسائل التنفيذية من حجز وسجن وما شاكل ذلك . يذكر الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لمالك الأشتر في العهد الذي بعث به اليه أن احذر نقض العهود ويقول في علة ذلك : « والخلف يوجب المقت عند الله والناس » ( 1 ) . مما لا شك فيه أن نقض العهد يحطم شخصية الإنسان . ومهما كان الشخص الناقض للعهد عظيما في المجتمع ويمتاز باحترام الناس له وتقديرهم إياه فإنه ينحط في أعين الناس على أثر نقضه للعهد . كل فرد يدرك بصورة طبيعية أن الشخص الناقض للعهد يرتكب عملاً قبيحاً . . . الفقير والغني ، الكبير والصغير ، كل الناس يرون أنّ لهم أن يلوموا الشخص الذي لا يلتزم بعهوده ، وهذا يدلنا على أن الإنسان يدرك ضرورة الوفاء بالعهد بفطرته ، ويرى أن التخلف عنه تخّلف عن قانون الفطرة . تنمية الوفاء بالعهد عند الطفل : لأجل أن يحيا الوفاء بالعهد في المجتمع ، وتلتزم جميع الطبقات بهذا الواجب الإنساني ، يجب أن تبذر بذور هذه الخصلة الحميدة في نفوس الأطفال من أولى أدوار الطفولة ، ومن حين إدراكهم لمعنى ( العهد ) . يجب أن يتلّقوا هذا الدرس القيم نظرياً وعملياً حتى يستقر في نفوسهم بصورة ملكه ثابتة مستقرة . يجب أن يربّى الأطفال بصورة يجدون معها الوفاء بالعهد من واجباتهم القطعية والضرورية ، فلا ينقضون عهودهم وحسب بل لا يسمحون لهذه الفكرة الفاسدة أن تمر بخواطرهم ، وهذه التربية لا تحصل إلا في المحيط الطاهر والسليم الذي أعدّ للطفل . المحيط الذي لا يعرف نقض العهد والخداع . إن الطفل يتخذ من كل كلام يسمعه أو عمل يشاهده ، صالحاً كان أو فاسداً ، قدوة له يجري عليها في حياته ، وفي محيط الأسرة يخضع قبل كل شيء لسلوك
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، شرح محمد عبده ج 3 ص 120 .